الشيخ حسن المصطفوي
259
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
صفاء الرسل والأنبياء بطور مطلق ، ليحملوا ودائع النبوّة وليبلَّغوا ما أمروا به من دون خلط وشوب وكدورة . وقد اختار صفاء عدّة من الأنبياء ورسله وعدّة من عباده الصالحين كآل إبراهيم ونوح وآدم ومريم ورسله الماضين وبرنامج إلهيّ . ولا يخفى أنّ الاصطفاء غير الإصفاء : فانّ الاصفاء هو جعل شيء صافيا بالتكوين والخلق ، كما في قوله تعالى : * ( أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ ، وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً ) * - 17 / 40 . فانّ تولَّد البنين أمر تكوينيّ خارج عن اختيار العبد وجريان عمله . وهذا بخلاف الاصطفاء ، فانّه اختيار من اللَّه تعالى أن يكون شيء أو شخص صافيا ، وذلك بالتوفيق والتأييد وتهيّة الوسائل والهداية ، إذا كان المورد مستعدّا وفي صراط الحقّ . فوجود الاستعداد الذاتيّ والتوفيق المخصوص من اللَّه ثانيا خارج عن اختيار العبد ، ولكنّ السلوك والعمل في محدودة الذات والفطرة اختياريّ ، ولا نريد من الاختيار إلَّا هذا المعنى . نعم في الاصطفاء مزيّة زائدة من جهة التكوين والتأييد ، وهذا أمر خارج عن محدودة اختيار العبد ، والاختيار بعد التكوين والتدبير والخلق ، والرحمة واللطف أيضا أمر آخر - . * ( إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّه ُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) * . وأمّا قول الملائكة : . * ( يا مَرْيَمُ إِنَّ ا للهَ ) * . . . . * ( وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ) * : فانّ هذه الجملة ( وإذ قالت الملائكة ) معطوفة على قوله تعالى - . * ( إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ ) * - 34 / آل عمران ، والآيتان متعلَّقتان بقوله تعالى - . * ( إِنَّ ا للهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَا للهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ ) * - الآية . فالمراد من العالمين غير هؤلاء المصطفين ، وأمّا هؤلاء الَّذين اصطفاهم اللَّه : فهم كما قال تعالى - . * ( ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ ) * . فهذه الآية لا تنافي ما ورد من أنّ فاطمة خير نساء العالمين ، سلام اللَّه عليها ،